“الجار قبل الدار”.. مفهوم غاب يوم عيد الفطر

0

قيم أصيلة أهملها سكان المدن الكبرى

فريدة حدادي

العيد مناسبة دينية واجتماعية ينتظرها الناس كل عام، لما تحمله من معاني الفرح والتسامح والتقارب بين أفراد المجتمع، ففيه تتجدد العلاقات الإنسانية وتظهر قيم التعاون والتكافل، التي تميز المجتمعات العربية والإسلامية، لكن لا يقتصر العيد على أداء الشعائر الدينية، أو ارتداء الملابس الجديدة وتبادل التهاني فحسب، بل يتعدى ذلك حتى يكون فرصة لتعزيز الروابط بين الناس، وإحياء العادات الاجتماعية الجميلة، التي تعكس روح المحبة والمودة.

وقد ارتبطت أيام العيد منذ زمن طويل، بعادات اجتماعية متوارثة، من أبرزها تبادل الزيارات وتقديم الحلوى والهدايا بين الجيران، هذه المظاهر ليست مجرد تقاليد شكلية، بل تحمل في طياتها رسائل إنسانية عميقة، ومودة ورحمة بين الجار، الذي يعد جزءا من أهل الدار، وتساهم تلك السلوكيات البسيطة في نشر الفرح بين الناس وتقوية العلاقات الاجتماعية، وفي كثير من المجتمعات، كان صباح العيد يبدأ بعبارة شهيرة يرددها الكبار: “الجار قبل الدار”، أول من يتلقى التهنئة هم الجيران، وكل المحيطين بالبيت، وليس الجار المقابل فقط، في إشارة إلى أهمية العلاقة مع الجيران، وضرورة الاهتمام بهم ومشاركتهم الأفراح والمناسبات.

وفي صباح العيد تحديدا، كانت الأحياء تمتلئ بالحركة والنشاط، حيث يحرص الجيران على تبادل التهاني بعد صلاة العيد مباشرة، ويزورون بعضهم البعض، أو يطرقون الأبواب لتقديم التهاني، وغالبا ما يحملون معهم أطباق الحلوى التقليدية، التي أعدت خصيصًا لهذه المناسبة، وكانت فرصة تستعرض فيها النسوة إمكاناتهم في تحضير الحلويات، بل وكانت تنظم طاولات مستديرة لتبادل الوقفات، في وقت لم تكن لمواقع التواصل الاجتماعي أو “اليوتوب” أي وجود أساسا، وكان الأطفال بدورهم يشاركون في هذه الأجواء، فيتنقلون بين بيوت الجيران وهم يرتدون ملابس العيد الجديدة، وتقدم لهم الحلوى وبعض النقود التي تعد رمزية، لكن تبعث الفرحة في قلوب هؤلاء، مما يخلق ذكريات جميلة، تبقى راسخة في الذاكرة.

هذه العادات البسيطة، كانت تلعب دورا مهما في تعزيز روح التضامن داخل الأحياء السكنية، وتبعث الأمن والأمان لترابط ووجود علاقات جميلة بين الجميع، فالعلاقة بين الجيران لم تكن مجرد تعارف عابر، بل كانت تقوم على التعاون والمساندة في مختلف الظروف، وكان تبادل الحلوى والزيارات في العيد يرمز إلى روح المشاركة والتقاسم، حيث يشعر الجميع بأن الفرح لا يكتمل إلا بمشاركة الآخرين فيه.

في هذا الصدد، ترى حورية وجدان، خبيرة اجتماع، أن هذه الممارسات الاجتماعية كان لها تأثير إيجابي كبير على استقرار المجتمع، فالعلاقات الجيدة بين الجيران، تساهم في خلق بيئة اجتماعية آمنة ومتعاونة، كما تساعد على بناء الثقة بين الناس وتعزيز روح الانتماء للمكان، وعندما يتبادل الجيران الزيارات والتهاني في الأعياد، فإنهم في الواقع يعززون شبكة من العلاقات الإنسانية، التي تساعد المجتمع على التماسك في أوقات الفرح والشدة على حد سواء.

غير أن هذه العادات تراجعت بشكل واضح، في بعض المدن الكبرى، خلال السنوات الأخيرة، فمع تسارع نمط الحياة وتزايد الضغوط اليومية، أصبح الكثير من الناس يعيشون في عزلة نسبية داخل الأحياء السكنية الحديثة، ففي العمارات الكبيرة قد يعيش الجار بجوار جاره سنوات، دون أن يعرف عنه الكثير، أو حتى لا يعرفه تماما، كما ساهمت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في تقليل اللقاءات المباشرة، وبات الكثير يكتفي بإرسال رسالة تهنئة عبر الهاتف، بدل الزيارة الشخصية، هذا إن وجدت أساسا تلك التهاني.

أوضحت المختصة، أن التوسع العمراني وتغير طبيعة الحياة في المدن الكبرى، لعبا دورا في تراجع هذه العادات، ففي الماضي، تقول، كانت الأحياء أصغر وأكثر ترابطا، وكانت الأحياء السكنية أقل اكتظاظا، ما يجعل الجميع يتعارفون فيما بينهم، مثلما هو الأمر اليوم في المدن الصغيرة والقرى والأرياف، وكان السكان يعرفون بعضهم جيدا ويتشاركون مختلف المناسبات الاجتماعية، أما اليوم، فقد أصبح الكثير من الناس يعيشون في بيئات حضرية سريعة الإيقاع، إذ يطغى الانشغال بالعمل والحياة اليومية على العلاقات الاجتماعية التقليدية.

وأكدت المختصة في الختام، أن إعادة إحياء هذه العادات ليست أمرا مستحيلا، بل يمكن تحقيقه من خلال مبادرات بسيطة، مثل التعارف بين الجيران وتبادل الزيارات في المناسبات والأعياد، فحتى اللفتات الصغيرة، كإرسال طبق حلوى أو طرق باب الجار للتهنئة، يمكن أن يعيد إحياء روح الألفة  بين سكان الحي الواحد.

التعليقات مغلقة.

Headlines
الاخبار::