فيما أضحت لباسا تحتفظ به المسنات بمتحف ذكرياتهن
“الملاية القسنطينية” رمز من رموز الحضارة ترفض الزوال والاندثار

تعرف ولاية قسنطينة زخما هائلا وتنوعا لا نظير له في العادات والتقاليد سواء تعلق الأمر بالمأكولات، الحرف، التقليدية أم الأزياء والملبوسات، هذه الأخيرة التي تعد لباس الملاية أهمها وأعرقها على الإطلاق، فهي تعتبر بمثابة رمز من رموز الأنوثة والحشمة لدى نساء الولاية، حيث يعود تاريخ هذا الزي إلى العهد الاستعماري، حينما ارتدته القسنطينيات حزنا على مقتل صالح باي على يد اليهود في العام 1872، هذا الأخير الذي حكم قسنطينة مدة زمنية قصيرة وكانت فيها مدة حكمه مزدهرة للغاية،

ما جعل نساء المنطقة يلتحفون بالسواد حزنا على وفاته، بعدها التحقت النساء السطايفيات بنظيراتهن القسنطينيات مرتديات ذات اللباس، لتأتي أحداث 08 ماي 1945 فتعم الملاية كامل أنحاء الشرق الجزائري في صورة جيجل، باتنة، سوق أهراس، تبسة وقالمة..، كما لعبت الملاية دورا هاما خلال هذه الفترة التاريخية، فكانت بمثابة سلاح من لأسلحة التي استعملها المجاهدون والمجاهدات لمحاربة الاستعمار الغاشم، حيث استخدموها في التخفي لإيصال الرسائل، الذخيرة، وكذا الطعام لبعضهم البعض، بحكم أن المستعمر لم يكن يجرؤ على تفتيش مرتديات الملاية، وظلت هذه الأخيرة وبعد نيل الاستقلال لسنوات ثابتة محافظة على وجودها إلى أن جرفها تيار التطور والتغيير، فأضحت مشاهدتها في شوارعنا تعد أمرا نادرا إن لم نقل ضربا من ضروب الخيال، وذلك لعزوف النساء الجزائريات عامة وقسنطينة خاصة عن ارتدائها، فما هو السبب يا ترى وراء تخلي القسنطينيات عن تراثهم ؟ وهل فعلا سيؤول مصير هذا الموروث الحضاري للاندثار والزوال؟، وتتكون الملاية القسنطينية من قطعتين تسمى القطعة الأولى بالجلباب ولونه أسود، ويعتبر قماشه من النوع الرفيع، أما القطعة الثانية فتسمى العجار وهو شبيه بالنقاب، حيث يحجب وجه وجمال المرأة عن الأجانب لدى خروجها من المنزل، كما تعد طريقة لباسه في غاية الأهمية فليس كل النساء يتقنها، هذا الزي التقليدي يعد لباسا في غاية الاحتشام ويعبر عن أنوثة المرأة القسنطينية، لكن ما يلاحظ اليوم هو انعدام مرتديات الملاية في المدينة بعدما كن يزين أزقتها وشوارعها، فميزة المرأة في الشرق الجزائري ورمز أنوثتها، باتت اليوم مجرد ذكرى تحملها المسنات في متحف ذكرياتهن، ولباسا تتفاداه الشابات، بحجة أنه وليد زمن وسبب معينين، زال بزوالهما، وتراثا لا يعرف منه الجيل الحالي سوى اسمه المرتبط بدروس التاريخ، المتجول في شوارع ولاية قسنطينة وولايات الشرق اليوم يلمح نساء لا يميزهن عن باقي الولايات سوى اللهجة بعد أن كانت الملاية تمثل جنسية المرأة القسنطينية، السطايفية والقالمية وكذا باقي نساء الشرق الجزائري، ورغم هذا تجتهد بعض كبيرات السن بأحياء ولاية قسنطينة العتيقة في المحافظة على هذا الإرث الثقافي التاريخي كحال خالتي “فاطمة الزهراء”، المنحدرة من  حي “الجزارين” العتيق وسط المدينة والتي تبلغ من العمر 67 سنة، فهي تصر على تمسكها بلباس أمها، وجداتها لأنها تراه أكثر لباس محتشم، ومستور فتقول بأنها تربت وسط أسرة محافظة، فوالدها كان خياطا يخيط الملايات والملابس التقليدية، مما جعلها ترتده في سن مبكرة جدا وهي 07 سنوات، ومنذ ذلك الوقت وهي تداوم ارتدائه إلى يومنا هذا، ولا يمكن أن تتخيل نفسها تخرج من البيت بلباس آخر لأنها لا تجد راحتها إلا به، كما تعيب خالتي “فاطمة الزهرء ” على النساء اللواتي تخلين عن الملاية وبعنها بثمن بخس مقابل أزياء عصرية فاضحة على حد قولها، على صعيد آخر، ورغم قلة وصعوبة الحصول على القماش الخاص بصنع الملاية هذا الأخير الذي يتم استيراده من سوريا، ودول أخرى، إلا أنه لا يزال بعض الخياطين يحافظون على العهد، فبتجوالنا في شوارع وسط مدينة قسنطينة لاحظنا انعدام محلات لبيع هذا النمط من الملابس حتى قابلنا عمي “علي ” 65 سنة، وهو مختص في بيع وصناعة الملابس التقليدية وخاصة الملاية، حيث أكد لنا بأنه لم يعد هناك أحد يهتم بشراء الملاية ولا بارتدائها، فهو يقوم بخياطتها فقط من أجل الرغبة في الحفاظ عليها باعتبارها قطعة تعبر عن أصالة وعراقة المنطقة، وهناك سبب آخر يتمثل في  إقبال بعض السواح الفضوليون على اقتنائها كتذكار عن الولاية، ويرجع عمي “علي ” السبب وراء عزوف النساء القسنطنيات عن ارتدائها إلى تفضليهن لألبسة عصرية أخرى كالحجاب، العباءة السورية والخليجية، الجلابية المغربية والذين يعتبرهم دخلاء على عاداتنا وتقاليدنا، ويضيف عمي علي  “قائلا أن هذا التغير طرأ على القسنطينيات مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات وهي فترة نشأة الأحزاب السياسية الإسلامية والتي جاءت بفكرة أن الملاية لباس غير شرعي، ما  جعل ذلك يترسخ في ذهن المجتمع، ودفع بالمرأة في الشرق إلى التخلي عن الملاية واستبدالها بالجلباب وكذا الحجاب.

حاولنا التقرب من بعض النساء اللواتي عايشن حقبة الملاية لنسألهن عن السبب في نبذهن لفكرة ارتدائها، تحدثنا مع “ليلى “وهي سيدة في العقد الرابع فصارحتنا بأن هذا اللباس كانت ترتده أمهاوجدتها قديما، وهي لا تنكر بأنه يوفر للمرأة الراحة والاحتشام ويبعد عنها العيون، لكنها شخصيا لا ولن تفكر يوما في ارتدائه، كيف وهي تعايش عصر التطور والتكنولوجيا،الحداثة، تحتاج بحكم عملها خارج المنزل إلى ارتداء لباس عملي أكثر يسهل عليها التحرك، بالإضافة إلى أن هذا الزي لم يطرأ عليه أي تعديلات تواكب العصرنة، كباقي الملابس التقليدية من قطيفة، شامسة،….وغيرها هذا من جهة، ومن جهة أخرى ترى بأن الدين الإسلامي أمر بارتداء الحجاب الشرعي، والملاية لا تنطبق عليها صفات اللباس الشرعي المذكور في القرآن، ثم تبتسم قائلة أن أمها تخلت عن ارتدائه وأصبحت تفضل العباءات الخليجية، فلماذا ترتده هي التي تصغرها بسنين، كما أرجعت “ع. زهية ” أستاذة علم الاجتماع بجامعة منتوري ولاية قسنطينة السبب وراء تخلي المرأة الجزائرية عامة، والقسنطينية خاصة عن اللباس التقليدي عموما، والملاية بالخصوص إلى الغزو الثقافي الذي تتعرض له الجزائريات من خلال القنوات الفضائية، العربية والأجنبية هذه الأخيرة غذت رغبة الكثيرات في التميز، وكذا حاجتهن في الحصول على الشكل الجديد، والمختلف مضيفة أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة معينة فقط، بل طالت مختلف النساء والفتيات العاملات، والماكثات في البيت، معتبرة بأن ذلك أكبر مظاهر الغزو الثقافي الذي تعرفه بلادنا، في الفترة الأخيرة بعد تفتح المجتمع على مختلف ثقافات العالم والتخلي عن اللباس التقليدي هو نتيجة حتمية للغزو الثقافي.

وفي الختام تبقى الملاية القسنطينية كنزا من كنوز الحضارة  الجزائرية، العربية والإسلامية الأصيلة، ولباسا يعبر عن هوية المجتمع القسنطيني، وكل ما يحتاجه اليوم هو السعي للمحافظة عليه وكذلك حمايته من الزوال والاندثار، وبالتالي إعطائه قيمة كباقي الملابس التقليدية، جدير بالمجتمع القسنطيني إنشاء جمعيات وهيئات تعنى بالتراث ودعمها وتمويلها من قبل الجهات الوصية حتى لا ننسى ما خلفه لنا سلفنا الصالح وأجدادنا، خصوصا وأن الملاية كان لها يد في استقلال الجزائر، ولو من بعيد وساهمت في نضال الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، كما ينتظر من أبناء قسنطينة الغيورين على حضارتها أن يعملوا على فتح محلات لبيع  وخياطة منتوج الملاية، وتعليم النشأة الصاعد هذه الحرفة، وكذا تشجيع النسوة على ارتدائها، فرمز المدينة الملاية أصبحت اليوم تهان في الشوارع لارتداء المتسولين والمتشردين لها، فيا أهل قسنطينة بالله عليكم  التفتوا لتراثكم وعاداتكم قليلا، وأحموه من النسيان.

ماضي. ر

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.