آلام الظهر ظاهرة تبرز بشكل ملفت
بوخلوف نجلة
يشهد المجتمع الجزائري في السنوات الأخيرة، انتشارا لافتا لظاهرة آلام الظهر، التي لم تعد حكرا على فئة عمرية دون غيرها، بل أصبحت تمس الكبار والصغار، بل وحتى الأطفال، هذا الانتشار الواسع حول آلام الظهر، من مجرد عرض عابر مرتبط بالتعب أو التقدم في السن، إلى مشكلة صحية حقيقية تؤثر في جودة الحياة اليومية، وتنعكس على الأداء الدراسي والمهني والنفسي للفرد، ومع تغير أنماط العيش، وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا، وتراجع الحركة والنشاط البدني، باتت هذه الآلام واحدة من أكثر الأسباب التي تدفع الناس إلى زيارة الأطباء، وطلب الاستشارة الطبية
في السابق، كان ينظر إلى آلام الظهر، على أنها نتيجة طبيعية للأعمال الشاقة أو لكبر السن، إلا أن الواقع اليوم، يكشف صورة مختلفة تماما، لأطفال في سن الدراسة يعانون من أوجاع في العمود الفقري، وشباب يشتكون من آلام مزمنة في أسفل الظهر أو الرقبة، وموظفين يجدون صعوبة في الجلوس أو الوقوف لفترات طويلة، حتى بات منهم من يعتمد على وسادات في العمل لإراحة الظهر، والاستعانة بأجهزة خاصة لتسوية وضعية الجلوس، وغيرها من الحلول الظرفية، هذا التحول المقلق يطرح تساؤلات عديدة وسط الأفراد، حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة، ومدى خطورتها، وإمكانية الوقاية منها، قبل أن تتحول إلى أمراض مزمنة يصعب علاجها
للوقوف عند أبعاد هذه المشكلة الصحية، كان لنا لقاء مع الدكتور علي يحي فاروق ميران، طبيب مختص في أمراض العظام والعمود الفقري، الذي أوضح أن آلام الظهر أصبحت من أكثر الشكاوى شيوعا في العيادات، مؤكدا أن خطورة الأمر لا تكمن فقط في الألم نفسه، بل في تجاهله أو التعامل معه باستخفاف، وأشار إلى أن الكثير من المرضى، بمختلف أعمارهم، يصلون إلى مرحلة متقدمة من الألم، بسبب عدم التشخيص المبكر، أو الاستمرار في ممارسات يومية خاطئة، تزيد من مشكلتهم أكثر وأكثر
ويشرح الطبيب، أن أعراض آلام الظهر تختلف من شخص لآخر، فقد تكون على شكل ألم خفيف متقطع، أو حاد ومفاجئ، وقد يصاحبه ثقل وتحجر في العضلات أو صعوبة في الحركة، وأحيانا أخرى يمتد الألم إلى الأطراف السفلية أو العلوية، مع شعور بالخدر أو التنميل، وفي حالات أكثر تعقيد، قد يؤثر الألم على النوم والتركيز، ويبلغ عدم القدرة على الجلوس والوقوف، والاستلقاء، ولا حتى النوم، ويؤدي إلى الإرهاق الدائم والتوتر النفسي، أما لدى الأطفال، فيظهر الألم غالبا، بعد فترات طويلة من الجلوس أو حمل محافظ مدرسية ثقيلة، وهو أمر يستهين به الكثير من الآباء، رغم خطورته على نمو العمود الفقري وتطوره مستقبلا
أما عن الأسباب، فيؤكد الطبيب، أن نمط الحياة العصري، هو العامل الأبرز في تفاقم المشكلة، خاصة الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات، سواء في العمل أو الدراسة أو الترفيه، مع اتخاذ وضعيات جلوس خاطئة، يؤدي إلى ضغط مستمر على العمود الفقري، إلى جانب حمل أشياء ثقيلة دون إدراك الوضعية الصحيحة لذلك، كما أن قلة النشاط البدني وضعف عضلات الظهر والبطن، يلعبان دورا كبيرا في ظهور الألم، ويضيف أن السمنة والتوتر النفسي والنوم غير الصحي، وحتى استخدام الهواتف الذكية بطريقة خاطئة، كلها عوامل تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر، في زيادة آلام الظهرعند مختلف الفئات العمرية
يحذر الطبيب من تجاهل آلام الظهر لدى الأطفال والمراهقين، مشددا على ضرورة مراقبة وضعيات جلوسهم، وتشجيعهم على الحركة وممارسة الرياضة، واختيار محافظ مدرسية مناسبة ، كما ينصح الكبار بضرورة أخذ فترات استراحة أثناء العمل، وممارسة تمارين التمدد، والحرص على الجلوس والنوم بطريقة صحيحة، مؤكدا أن العلاج لا يقتصر فقط على الأدوية، بل يشمل تغيير نمط الحياة، والعلاج الفيزيائي، وأحيان أخرى، الدعم النفسي في الحالات المرتبطة بالضغط والتوتر، مشددا على أن تجاهل الألم لا يعني علاجه، الأمر الذي يتطلب أحيانا كثيرة، تدخل العلاج الفيزيائي لتصحيح الأمر قبل تفاقمه إلى مشكل حقيقي
التعليقات مغلقة.