الإنسان الجزائري فوق هذه الأرض ومنذ فجر التاريخ،كان ولا يزال يمتاز بشخصية قوية وبحجية الاعتقاد وقوة الفكرة ورسوخها وتمكنها من وجدانه وقلبه وكيانه ككل،وقد تجلى ذلك بوضوح أكثر خلال لجوء الأندلسيين فارين بدينهم ولغتهم،فرغم بطش الإسبان المسيحيين ومحاكم التفتيش اللعينة،إلا أن المسلمين الفارين بدينهم من التصفية العرقية وقمع الكاثوليك لهم،لم يستسلموا لهم ولم يقتنعوا مما يدعونهم إليه من فكر ودين جيد،فبقوا متماسكين ومتمسكين بدينهم ولغتهم،وخير دليل على ذلك ملاحقة الإسبان لهم وجرب الثلاثمائة سنة التي خاضها أهل الجزائر ضد هؤلاء الغزاة المحتلين لوهران وغيرها من المدن الجزائرية الساحلية..؟
وقد عرف الجزائري القديم وحتى ما قبل الفتوحات الإسلامية،بهذا البعد الروحي الراسخ في كيانه ووجدانه،رغم المغريات ورغم التهديد والوعيد من قبل الأعداء،وأفضل شاهد،ما ضحى لأجله القائد النوميدي الفذ الملك “يوغرطة” الذي مات صبرا في سجون روما بعد الخديعة والمكر والوشاية التي تعرض لها من قبل سهرة “بخوص” مقابل ملك زائل وعرض فان،ولكن التاريخ لا ينسى ولا يغفر للأنذال فعلة مثل هذه التي أبليت بها مجتمعاتنا وأمتنا منذ القدم وما زال يعيش صناعها بيننا صغارا في الأعين،حفاة عراة لا وزن ولا قيمة اجتماعية لهم بين الناس.. !
إن أهل الفكرة الراسخة في القلوب الحية والعقول النيرة،لا يمكن بأي حال من الأحوال زعزعتها أو التسرب الشك إليها،مهما كان بطش العدو وقوته والآلة الجهنمية التي استخدمها،خاصة خلال الثورة التحريرية المباركة ،التي ثبت فيها المجاهدون على فكرة حب الوطن والتضحية لأجله،فإما النصر أو الشهادة،مهما كانت قوة العدو وضرباته ،فقد ذهبت قوافل تلو القوافل فداء للوطن عبر مراحل من التاريخ والنضال والثورات الشعبية،ورغم فارق العدة والعدو،إلا أن المجاهدين صبروا واحتسبوا ولم يستسلموا،وكل ذلك راجع إلى قوة الإيمان ورسوخ فكرة حب الوطن ووحدته الترابية وضرورة تخليصه،من قبضة العدو المسيحي المعتدي،فلم تفلح معهم قوة ولا جبروت الآلة الحربية الفرنسية،فكان النصر حليف ثورة نوفمبر 1954 في نهاية المطاف..؟!
التعليقات مغلقة.