يعتبر من الإطارات المتميزة الأولى لشركة سوناطراك المرحوم المجاهد كسيس بشير رحل في صمت تاركا إرثا كبيرا

16

بقلم الاستاذ / محمد الصادق مقراني :

                 المجاهد كسيس بشير هو ابن مدينة شلغوم العيد بولاية ميلة من الأسماء التي تركت رصيدا نضاليا و جهاديا و علميا رحل في صمت عمل طوال حياته على طلب العلم و خدمة وطنه بكل تفان يعتبر من احد مؤسسي الاتحاد العام للطلبة الجزائريين و من الإطارات الأولى لشركة سوناطراك ترك الولايات المتحدة الأمريكية و استجاب لنداء الوطن رافق العديد من قادة الثورة منهم كريم بلقاسم عبد السلام بلعيد  لخضر بن طوبالهواري بومدين  ابو القاسم سعد الله محي الدين عميمور و غيرهم .

           النشأة والمحيط :

                 ولد المجاهد بشير كسيس ، المعروف بالبشير عمر كسيس في 21 جانفي سنة 1929 بمدينة شاطودان سابقا شلغوم العيد حاليا بولاية ميلة،هو الابن الأكبر للعائلة والده العمري وأمه هي السيدة خدوان رقية.

                  مارس التجارة و عمره لم يتعدى التسع سنوات رفقة والداه الذي كان يمتلك بقالة وسط مدينة شلغوم العيد  الظروف المعيشية الصعبة  أنداك للأسرة منعته من ا التحاق بمقاعد الدراسة كبقية أترابه .

       المسار الدراسي و العلمي :

من مدرسة التهذيب بشلغوم العيد الى  جامع الزيتونة  بتونس

               بدا المجاهد كسيس  بشير دراسته الابتدائية متأخرا أي في سن التاسعة من عمره، و كان ذلك بمدينة شلغوم العيد بالمدرسة الابتدائية جمال عبد الناصر” حاليا.

              في هذه المرحلة تلقى تعليمه الابتدائي على يد أساتذة أوروبيين و من بينهم ، السيد مازيا .Mazia والسيدة PECK باك و السيد FADOTفادوا .

                 و بالموازاة مع المدرسة الرسمية، درس اللغة العربية و حفظ القرآن الكريم في مدرسة التهذيب الدينية التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكان واحدا من تلاميذ الشيخ أبو صاليح و الشيخ عباس .

                     بعد انتهائه للمرحلة الابتدائية، في سنة 1945 إرساله والده إلى معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة لتعميق معا رفه في علوم اللغة العربية و الرياضيات. هنالك، أمضى أربع سنوات نهل فيها دروسا في الفقه و الشريعة و علوم التربية على يد نخبة من علماء الجزائر الكبار في ذلك الوقت، من بينهم: الشيخ العربي التبسي، الشيخ مبارك الميلي، الشيخ محمد رمضان، الشيخ الحفناوي ، الشيخ إبراهيم مزهودي ، الشيخ العرباوي، الأستاذ الغسيري، الأستاذ مالك بن نبي وآخرين.

                    وبفضل النتائج الجيدة التي حققها في المعهد، و بعد تزكيته من قبل معلمه الشيخ الطاهر بن حاج السعيد، تم اختيار في عام 1948 مع صديق الطفولة السيد آيت شعلال مسعود  و هو ابن مدينته لمواصلة دراستهما في معهد الزيتونة. بتونس .

و في عام 1951 تحصل على شهادة الأهلية في العلوم العربية و شهادة المعرفة العملية في اللغة الفرنسية.

                درس المجاهد كسيس بشير  بمعهد الزيتونة على يد أحد كبار علماء العالم العربي الإسلامي الشيخ الجليل الطاهر بن عاشور و أثناء دراسته في تونس التقى بأسماء مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية نذكر                            من أبرزهم: محمد بوخروبة الرئيس الجزائري هواري بومدين، حسين أيت أحمد، محمد خيضر، لخضر بن طوبال و غيرهم كثير.

                    فقد اجتمع في هذه الفترة زخم كبير من الطلبة صارت أسماء كبيرة فيما بعد تركت بصماتها في تاريخ الجزائر ، كان هؤلاء الشباب النجباء تؤطرهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من جميع أنحاء البلاد لتبعث بهم إلى إحدى أكبر الجامعات في الوطن العربي والإسلامي في ذلك الوقت لكسب المعرفة في شتى العلوم.

رحلته العلمية في مصر :

                   بعد حصوله على شهادة الأهلية من جامعة الزيتونة في سنة 1951 عاد المجاهد كسيس بشير إلى مسقط رأسه لمساعدة أسرته غير أن والده ،شجعه على مواصلة مشواره الدراسي ، وطلب منه التوجه إلى القاهرة ، قبلة العلم و العلماء آنذاك ،

                       في سنة 1952 اختير من طرف جمعية العلماء المسلمين رفقة 23 طالبا من مختلف أرجاء الوطن للدراسة في مصر حيث درس بجامعة الازهر و بثانوية حلوان و تحصل خلالها على شهادة البكالوريا

                        شكل هؤلاء الطالبة الدفعة الأولى الذين أرسلتهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بشكل منظم للدراسة في جامعة الازهر، فنذكر منهم: بشير كسيس، عبد القادر نور، محي الدين عميمور، أبو القاسم سعد الله منور مروش، محمد بلعيد، صالح خرشي، محمد أوقاسي، عبد الرحمن طالبي، رابح تركي، بوزيان تلمساني، عثمان سعدي …الخ عند وصوله إلى القاهرة في أواخر عام 1951 ،انضم إلى مدرسة الخديوية العام الدراسي 1952 -1953. وبعد ثالث سنوات مضنية من الدراسة الثانوية، تحصل على الجزء الأول للبكالوريا سنة 1954 ،ثم الجزء الثاني في جانفي 1955.

                    التحق المجاهد كسيس بشير بجامعة القاهرة في تخصص صيدلة، لكنه اضطر إلى تغيير الشعبة العام الموالي بسبب ارتفاع تكلفة كتب الصيدلة، ليسجل في تخصص الهندسة الكيميائية ليتخرج مهندسا كيميائيا بعد خمس سنوات قضاها بمعهد الكيمياء بجامعة القاهرة. أثناء مرحلته الدراسية ب القاهرة، كان عضوا نشيطا في الكشافة الجزائرية بمكتب الممثليةالجزائرية بالقاهرة تحت إشراف شيوخ الكشافة الجزائرية: الشيخ البشير اإلبراهيمي ، الشيخ الغسيري،الشيخ أحمد البيوض، الأستاذ فضيلالورتالني،الأستاذ توفيق مدني وغيرهم من المثقفين والنشطاء السياسيين المناضلين من أجل القضية الجزائرية والعربية الذين اتخذوا من القاهرة مقرا لنشاطهم إبان الثورة التحريرية.

نشاطه الثوري و النضالي :

                         عند اندلاع حرب التحرير الكبرى في عام 1954 ،انضم غالبية الطلبة الجزائريين المتواجدين بالقاهرة تلقائيا إلى صفوف جبهة التحرير الوطني تحت وصاية كبار المسؤولين السياسيين و العسكريين المشرفين على المكتب السياسي للجبهة و منهم الأستاذ عبد الحميد مهري، أحمد بن بلة، كريم بلقاسم، فرحات عباس، لمين دباغين، محمد فرنسيس، بن يوسف بن خدة و آخرين.

                              وكان عضوا مؤسسا لهيئة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين UGEMA رفقة صديقه و مسؤولها األول عبد السالامبلعيد، وقد شغل المناصب التالية: رئيس فرع هيئة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين UGEMA بالقاهرة بين 1956-1958. عميد الطلبة الجزائريين في القاهرة في سنوات الخمسينات. متحدث باسم الطلبة الجزائريين ومسؤول الأنشطة الثقافية والاجتماعية والكشفية. ممثل الطلبة الجزائريين بالمؤتمرات المنعقدة بـ: الكويت، دمشق، بغداد و الولايات المتحدةالأمريكية. متحدث باسم المنظمات االطلابية العربية في البيان المندد بهجمات العدوان على مصر في عام 1956

                   كان المجاهد كسيس بشير من بين الطلبة الدين غادروا مقاعد الدراسة من المؤسسات التعليمية  رفقة 51 طالبا و التحقوا بالثورة .

                  كما حضر اجتماع تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عام 1958 بفندق كونتينونطال المتواجد بساحة إبراهيم باشا بالقاهرة، حيث تم تعيينه مسؤولا عن جميع المنظمات الطلابية الملحقة بوزارة الثقافة والشؤون الاجتماعية في الحكومة المؤقتة الجزائرية تحت إشراف أول وزيرها للثقافة الأستاذ توفيق مدني في عام 1960 ،

                   بعد تخرجه مباشرة من جامعة القاهرة قرر التوجه إلى الولايااتالمتحدة الأمريكية لمتابعة دراساته في مرحلة ما بعد التدرج، ليلتحق بمعهد البتر وكيماويات بجامعة نيويورك و بعد ثالث سنوات من الدراسات النظرية تحصل منها على شهادة الماستر ، و توج تكوينه بتربص ميداني مع شركة فيليبس بتروليوم األمريكية بأكبر مصفاة لتكرير النفط في العالم و الواقعة بوالية تكساس.

                       في عام 1963 عاد أخيرا إلى أرض الوطن مباشرة إلى منزله لرؤية عائلته وأخوته الذين لم يشهد ميلادهم بعد غياب دام أكثر من 11 عاما.

                         وخلال إقامته القصيرة بمدينته شلغوم العيد، كان والده الفخور جدا بالمستوى الذي بلغه ابنه بشير  و حتى تكتمل فرحته، قرر عقد قرانه من ابنة جاره بوشطوب نادية فهي من فتيات المدينة المثقفات ، حيث كانت تعمل مدرسة للغة الفرنسية بالمدرسة الرسمية .

                             و مع نهاية العام 1963 عاد مع زوجته إلى الولاياتالمتحدة الأمريكية لمواصلة الدراسة رغبة منه في تحقيق أعلى رتبة في تخصصه، فقام بالتسجيل لشهادة PHD .

الاستجابة  لنداء الوطن :

                          لكن سرعان ما عاد إلى أرض الوطن بعد تلقيه برقية بتاريخ 24 نوفمبر 1964 من وزير الاقتصاد الوطني في ذلك الوقت، طلب منه الالتحاق بالجزائر نظرا لحاجتها إلى خبرته في قطاع النفط فكانت استجابته لنداء الوطن سريعة ودون تردد ،رجع نهائيا إلى الجزائر في 24 ديسمبر 1964  برفقة زوجته الحامل في شهرها الثالث بابنهما البكر ، لتبدأ رحلة جديدة مع معركة بناء الاقتصاد الوطني والدولة الفتية.

                            في 4 يناير 1965 ،توظف فور وصوله بشركة سوناطراككمهندس و كان بذلك أول مهندس بتروكيمياء للجزائر المستقلة ، مثل شركة سوناطراك في أول مؤتمرعالمي للنفط ، المنعقد بمدينة مونت كارلو الفرنسية من 12إلى 20 ماي العام 1965.

                          كما أوكلت له خلال سنواته الأولى في شركة سوناطراك، مهمة مفاوضات العقود الكبيرة التي أبرمتها الجزائر مع الدول الكبرى، لاسيما الواليات المتحدة الأمريكية، في مجال التنقيب وتصنيع مادتي النفط والغاز الطبيعي ، وكذا التعاون الأجنبي لبناء واستغلال المرافق الطاقوية مثل: مصفاة الجزائر العاصمة، مجمع الغاز الطبيعي المميع بأرزيو والقطب الجديد بسكيكدة. وتحقيقا لهذه الغاية، فإنه كان يتعين عليه إجراء سفريات مارطونيةإلى أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.

                               في عام 1967 ترأس الوفد الطاقوي الجزائري إلى العراق لتوثيق التعاون بين البلدين في قطاع النفط. بصفته عميد مهندسي النفط الجزائريين، و واحدا من مؤسسي شركة سوناطراك، فقد شغل بهاالمناصب التالية: – مهندس بتروكيماويات في مصفاة الجزائر 1965 -1969مهندس وإطار سامي بمركب أرزيو من عام 1969 حتى نهاية عام 1970 . ،مدير مشروع لإنجاز و استغلال وحدات مركب تمييع الغاز بسكيكدة GL1K ،في عام 1972 حيث شغل به منصب رئيس دائرة الإنتاج حتى عام 1974 . ،نائب مدير للمركب 1974-1975. – ثم عين مديرا لمركب تمييع الغاز بسكيكدةGL1K 1975-1980 .كان مؤسسا للمنطقة الصناعية بسكيكدة EGZIK .

                 شغل منصب أول مديرا عاما لها بين 1981   1983 – ثم شغل منصب مستشارا للرئيس المدير العام لشركة سوناطراك من 1983 حتى 22 سبتمبر .1990 و بالموازاة مع مهامه الإدارية، كان متواصلا مع نشاطه العلمي من خلال عضويته باللجان العلمية المشرفة على رسائل الطلبة لنيل شهادة مهندس بتروكيماويات ، بالمعهد الوطني للمحروقات ببومرداس بداية من العام 1974. و في العام 1975 .

                         أشرف أيضا على تنظيم الزيارتين الرسميتين التي قام بهما كل من الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان والرئيس الكوبي فيدل كاسترو لمركب تمييع الغاز بسكيكدة . تم تكليفه عام 1980 مسؤول عن تنظيم واستضافة الوفود المختلفة الممثلة للدول المشاركة في مؤتمر أوبك ، الذي عقد لاول مرة بالجزائر بفندق الاوراسي بالعاصمة.

                    المجاهد كسيس بشير أب لخمسة أطفال، التحق بربه في يوم 23 سبتمبر 1990 عن عمر ناهز الـ 61 عاما…. قضاها المرحوم طالبا للعلم ومثابرا في العمل. بمسيرته الحافلة، ترك المرحوم ورائه رصيدا كبيرا من النضال والعمل في صمت ، فكان مثالا للتواضع والتضحية والخالص للوطن.

التعليقات مغلقة.

Headlines
الاخبار::