عندما تفوز الجائزة بالكتابة المنتصرة للإنسانية :

جائزة كتارا تنتصر لملحمة الإنسان "عناق الأفاعي" لعز الدين جلاوجي

100

بقلم البروفيسور/ نعيمة سعدية

 

فازت عناق الأفاعي بالجائزة الدولية”جائزة كتارا للرواية”، وهذا فوز للرواية الجزائريةـ أو السرد الجزائري، وهي من ثلاثيات الأرض والريح ، حيث الأفاعي تعانق ولا تغرم، خلاصة مشروع دام ربع قرن مشروع سعى جاهدا لصناعة الوعي التاريخي والثقافي، تفوز الرواية لمن شغل بالجزائر ، رواية وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
عناق الأفاعي للروائي عزالدين جلاوجي، هي آخر ما كتب من ثلاثية الأرض والريح، على الرغم من أنها هي التي تؤسس فنيا وجماليا لمرحلة المقاومة الأولى للاستدمار الفرنسي في الجزائر، حيث تصور الرواية مقاومة الأخوين شامخ و شامخة، اللذان تفرقهما أحداث المقاومة فتنتقل شامخة بفكرة الحرية من الجزائر العاصمة إلى الغرب الجزائري لتلتقي برمز المقاومة الأمير عبد القادر، تشاركه المقاومة، وتأخذ منه البعد الإنساني والثقافي لتعود في رحلة سردية عميقة نحو الشرق الجزائري فنعيش معها مقاومة أحمد باي بقسنطينة، ثم تنتقل الرواية مع شامخة نحو الأوراس الأشم، لتنظم بعدها إلى نغم المقاومة الذي سطع نجمه ببوابة الصحراء، فيحدث اللقاء بشامخ في مقاومة شديدة بواحات بسكرة.

عناق الأفاعي انتصار للقيم الإنسانية بعامة وحياة الحب والحرية، وهي رواية الإنسان الذي يمجد العيش بسلام، بعيدا عن ممارسات الإلغاء والإقصاء، التي بات يتقنها الكثير من الناس والتي تهدد الإنسانية .
ويعدّ “عز الدين جلاوجي” من كبار الروائيين–في الساحة الأدبية الجزائرية- الذين حاولوا أن يسلكوا النهج التجريبي في كتاباتهم ولم يكتفِ بالكتابة في جنس الرواية فقط بل كانت له عدة أعمال تجريبية جديدة سميت بالمسردية يزاوج فيها بين المسرح والسرد، وأحيانا الشعر، وهذا شكل جديد في الكتابة، شكل مشروعا ضخما عمر ربع قرن من الزمان.

فبين كل الأجناس الأدبية لحمة قوية، لأنها من مشكاة واحدة، فلاعجب أن تشرق على بعضها البعض حد التمازج أحيانا، وما ذاك إلا لحضور جملة من الفنون داخله، وكذلك الأمر مع بقية الأجناس التي فتحت أبوابها مشرعة أمام باقي الفنون، في مجمل روايته، وفي عناق الأفاعي، فلسفة تجريب جديدة، حققها جلاوجي بالمكان والشّخوص، وتعرض لنمط سردي تجريبي وبناء معماري ينضاف لمسيرة الرواية وسعيها الدؤوب في إيجاد فلسفة جديدة في الطرح والتشكيل والبناء.

كنت من الذين يقرؤون لتجربة عز الدين جلاوجي، فكان لهم حظ قراءة رواية عناق الأفاعي، قبل سنة، وأصابتني دهشة عارمة من هول فلسفة السرد المتبعة، وقوة التجريب في توظيف التاريخ من جهة، وتوظيف عامل سرد جديد، وهو المخطوط، وهذه فلسفة جديدة من جلاوجي حتى يسلط الضوء على أهمية هذا النوع من الثروة الإنسانية، ثروة كفيلة من تحقيق ثورة فكرية ومعرفية، بإمكانها تحقيق التطور المطلوب.

جلاوجي مبدع آمن أن دور الأديب هو أن يصرخ في وجه العفونة الفكرية والثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية، من أجل غد أفضل، وآمن أن الكتابة جهاد بالكلمة، كما أن دور الكاتب هو أن يفتح للناس نافذة لشمس الأمل والحلم والخير والجمال، وأول خطوة يراعيها في ذلك هي أن يقدم نصا جامعا جميلا، مرصعا بلآلئ الإبداع الإنساني، مترعا بالإبداع دهاقا بالحلم.

عناق الأفاعي نص يصرخ من خلاله الروائي قائلا: لقد انطوى زمن انكفاء الأديب على نفسه في برجه العاجي، إذ عليه أن يسعى جاهدا ليكون رسولا للفن والجمال والخير والحب والسلام، أن ينتصر للإنسان سواء قصد نفسه في ذلك أم قصد محيطه أم قصد الناس جميعا، المهم أن يكون هدفه ساميا، خاصة والبشرية تئن تحت عبء همومها وأنانيتها التي تغتال إنسانيتها، وخاصة والعربي تختنق في جوف الظلم والتخلف والدكتاتورية والظلامية.

مشروع جلاوجي مشروع فريد، الكاتب فيه لكني لست صورة مطابقة لأي أحد، فهو تجربة مختلفة، قد تمثله الكتابات السابقة، ولكن أبدا هو غير مرتبط بها، وهو أبدا يرفض-من خلال عناق الأفاعي- ظلا لأحد ولا صدى لأي صوت، يسعى أن يحقق الصدق فيما يكتب، بما يؤمن به من أفكار وقيم، والصدق الفني والجمالي أيضا.
قدمت عن تجربته الروائية عشرات البحوث والدراسات وطنيا وعربيا، كما احتفت عديد الجامعات بنصوصه، وآن الأوان أن تنقاد جائزة كتارا إلى ملحمة الإنسان، إلى مشروع كتابة عمره ربع قرن، في سماء لا يمكن أن تزينها نجمة واحدة، وفي سمفونية لا تصنعها نغمة واحدة يتيمة.

الأدب ينطلق من الواقع، مهما جنح إلى الخيال يبقى مربوطا بالواقع، لكن الأدب كما الفن يرتقي على هذا الواقع ويتعالى عليه، فهو ليس نقلا حرفيا له ولا صورة فوتوغرافية عنه. كل كتابات جلاوجي، بداية بالفراشات والغيلان، وصولا إلى عناق الأفاعي، تنطلق من الواقع الجزائري أو العربي، وحتى من الواقع الإنساني، رواية عناق الأفاعي عرض لمعاناة الإنسان أثناء الحروب والصراعات، معانقة الهم الإنساني وتجعل البطلة شامخة الباحثة الثائرة، تغتال وتتحول في جو عجائبي إلى نجمة، ينظر إليها الجميع، في توظيف رائع للتاريخ، عمل الكاتب على تقديم هذا الواقع التاريخي بشكل فني وجمالي. ويبقى “الخيال حياة روحي وراحة قلبي .. أما الواقع فأنا موجود فيه قهرا ..ولكنه لا يعني شيئاً بالنسبة لي” .

إن رواية عناق الأفاعي، وإن كانت تعود للتاريخ الجزائري والعربي والإسلامي، وتوظفه بشكل مختلف، وتغرف من الموروث؛ فإنها ركزت أساسا على عمق إنساني يصعب الإمساك بخيوطه الرفيعة، في ظل فساد راح يعيث في الأفكار دمارا. والعمل على تعريته، وفضح ألاعيبه ضد الطبقة المثقفة والواعية والمتنورة.

عناق الأفاعي تصوير لمواقف الحياة بحلوها ومرها، و جميلها ورديئها، بسبب الغيثان المبهم في دائرة التيهان المغلف المغلق، الذي يجعل الأديب الإنسان لا يواجه من يصادفه. فكل هذه أحكام مسبقة وافتراضات، لا معنى لها، تخطر بالذهن تعرقل سير تلك الموقف، فتجعلك تستحضر كل ما هو غير صائب ماضي وحاضر، وقد تبني عليه مستقبلا أعرجا، تجعلك تستحضر الماضي بجذوره المتفرعة، وتحصي لها نتائج بافتراضات و أحكام مسبقة، هذا ما يجعل إنسان عز الدين جلاوجي يتهرب من مواجهة من يصادفه ومن يصادفه في كثير من المواقف الإنسانية.

هذا الإنسان أمام الآخر الذي ليس لديه كل الوعي لمعرفة خواطره و افتراضاته و أحكامه، آخر ستتركب بذهنه افتراضاته و أحكامه وفق منطق وجهة نظره هو الآخر. ليسير الركب بهما معا نحو التيهان، وما على الإنسان إلا المواجهة وتحرير الذهن من اللبس المبهم فـ” لقد حُرم الناس في ذلك الزمان الحرية في الاعتقاد، بل الحرية في كل شيء”، ولأن الأفضلية لمواجهة الجميع بقوة ، وشجاعة ، ووفق حدود وضوابط، وممكن تبرير المواقف وطلب العفو إن لزم ذلك، هي مواجهة بفخر وعزيمة وانضباط ، واحترام بعيدة عن الهروب والغرق في السباحة في تللك الدائرة المغلقة، والطرق المعتمة والشوارع الخلفية، وتزييف التاريخ بما يتماشى والمصلحة والغاية.

فجلاوجي عبر شخوص روايته يحاول حل و فك هذه العقدة، وإن صح التعبير أزمة الإنسان في تجريب سردي مختلف ومتميز وساحر؛ شعور رائع عندما تخفي مشاعر الحب لشخص خوفاً مـن ثرثرة الناس، والأروع حينما يكون الشخص يخفي نفس المشاعر.

حقيقة هو عمل ضخم يستحق الترجمة إلى لغات عديدة، وتحويل الرواية إلى عمل درامي ونقله من عالم اللغة المكتوبة إلى عالم الخطاب البصري حتى يصل إلى أكبر شرائح في المجتمع العربي

التعليقات مغلقة.

الاخبار::