الدكتور جمال مسرحي أستاذ التاريخ القديم جامعة باتنه1

1٬751

كانت الدولة الجزائرية تحتفل بيوم 19 جوان كأحد الأعياد الوطنية منذ صائفة 1965 حين تشكل مجلس للثورة وقرر تنحية الرئيس أحمد بن بلةمن على هرم السلطة في هذا التاريخ وأسند الرئاسة للعقيد هواريبومدين وزير الدفاع آنذاك، وغالبا ما كانت المناسبة فرصة للنظام الجزائري لتقييم عمله، و إحصاء منجزاته طوال عام من التسيير، إلى أن جاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وفي خضم تحضيره لمشروع الوئام المدني والمصالحة الوطنية سنة 2002 مقرر إسقاط التاسع عشر جوان من قائمة الأعياد الوطنية إرضاء لبعض الأطراف التي عارضت نظام الرئيس بومدين، وبصورة خاصة الرئيس أحمد بن بله، و من ثمة لم تعد المؤسسات الرسمية للدولة الجزائرية تهتم بهذه المناسبة فأصبح الكثير يجهل مضمونها لا سيما الجيل الذي تربى في ظل التعددية السياسية التي تبنتها الجزائر منذ 1989 م، فما هو مضمون هذا الحدث ؟ وماهيالظروف التي جاء فيها؟ والأسباب الكامنة وراءه؟

لمعرفة خبايا التصحيح الثوري الذي أقره مجلس الثورة في التاسع عشر جوان 1965 والاطاحة بنظام الرئيس أحمد بن بله يجب العودة قليلا إلى الوراء، أي إلى قبيل الاستقلال وتحديدا إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات الجزائرية الفرنسية، وموقف الجيش منها ثم العلاقة بين قيادة أركان الجيش والحكومة المؤقتة، خاصة بعض أعضائها البارزين منهم أو المتحكمون في قراراتها،وتحديدا الباءات الثلاث (عبد الحفيظ بوالصوف، لخضر بن طوبال، كريم بلقاسم) ثم رئيس الحكومة بن يوسف بن خدة..

ولقد عارض بومدين الباءاتالثلاثة بشده في إطار الصراع بين السياسي والعسكري كما اشتد الخلاف بين قيادة الأركان ورئيس الحكومة بن يوسف بن خدة وبلغ ذروته في جوان 1961، فأدى إلى استقالة هيئة الأركان على إثر الأزمة التي نشبت بين الطرفين في أعقاب رفض بومدين تسليم الطيار الفرنسي الذي أسر بعد اسقاط طائرته إلى السلطات التونسية بعد مطالبة الرئيس بورقيبة بذلك، ثم يبدأ الخلاف في التبلور أكثر فأكثر خلال اقتراب المفاوضات مع الطرف الفرنسي إلى محطتها الأخيرة، حيث ظهر إلى العلن أثناء الاجتماع الذي  عقده المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس الغرب في  نهاية فيفري 1962 لدراسة مشروع الاتفاق مع فرنسا الذي اتفق عليه الطرفان في  مفاوضات لي روس التي جرت فيما بين 11 و 19 فيفري 1962 حيث تم الاتفاق على مسودة الاتفاق بالإجماع إلا أعضاء هيئة الأركان الذين صوتوا ضدها وهم: العقيد هواري بومدين، الرائد على منجلي، والرائد سي ناصر ثم العقيد سليمان ليتجدد الخلاف، بل يتحول إلى صراع بين مختلف الأطراف الفاعلة في الثورة وقياداتها في الداخل والخارج بعد توقيع اتفاق وقف اطلاق النار يوم 19 مارس 1962 وكان قائد الجيش هواري بومدين قد أدرك طموح بعض قيادات الثورة الجامح في الاستحواذ على السلطة مهما كلف ذلك فكان يراقب نشاط الباءات الثلاثة وكان من السهل عليه أن يلاحظ ذلك على تصرفات كريم بلقاسم على الخصوص، وهو ما أكدته شهادات الكثير من المجاهدين من رفاقه أمثال علال الثعالبي ثم لخضر بن طوبال مؤخرا في مذكراته، لذلك استبق بومدين الأحداث فأرسل الرابد عبد القادر(عبد العزيز بوتفليقة) إلى فرنسا ليقابل محمد بوضياففي السجن ويعرض عليه دعم الجيش له لتولي مسؤوليه قيادة ما سيعرف فيما بعد بالمكتب السياسي الذي يمثل حكومة الاستقلال الأولى التي ستشرف على إجراء الانتخابات بعد الاستقلال.

التعليقات مغلقة.

الاخبار::